اللبنانية ليليان داود... مطرودة من «الجنة» المصرية!

التحرير 0 تعليق 6 ارسل لصديق نسخة للطباعة

أكاد أجزم بأن الذين اتخذوا قرار ترحيل الإعلامية اللبنانية ليليان داود من مصر لا يعرفون أي شيء عن العلاقة التاريخية العميقة التي تربط لبنان بمصر في مجالات الفن والأدب والإعلام، وأكاد أقطع بأن أصحاب القرار المشؤوم لا يدركون بالمرة النتائج المتوقعة لهذا القرار، وهي نتائج تزيد من الصورة السلبية للنظام المصري بشأن علاقته البائسة مع حرية الرأي والإعلام. وسأتذكر معك حالا قبسات من السيرة العطرة للعلاقات المصرية اللبنانية على مدار 150 عامًا تقريبًا، لتكتشف حجم الجرم الذي ارتكبوه بطرد بنت لبنان من "جنة" مصرنا... الجميلة.

في النصف الثاني من القرن التاسع عشر ضجّ اللبنانيون من البطش العثماني المتزايد، فقد كانت بلادهم تابعة للإمبراطورية العثمانية في ذلك الزمن، فاضطر الموهوبون منهم وأصحاب الرأي إلى مغادرة لبنان والارتماء في حضن مصر... أجل مصر... هذا البلد الأمين الذي استطاع بفضل جهود الخديو إسماعيل أن يحقق قدرًا معقولا من الاستقلال الذاتي عن الإمبراطورية العثمانية.

هكذا إذن هبط أرض مصر الأخوان سليم وبشارة تقلا من بلاد الشام ليؤسسا جريدة الأهرام في عام 1875، وبعدهما وصل جورجي زيدان من لبنان ليصدر مجلة الهلال عام 1892، ثم جاءت من لبنان روز اليوسف (فاطمة اليوسف) لتؤسس مجلة باسمها عام 1925، بعد أن هجرت التمثيل الذي برعت فيه فترة من الزمن، وبالمناسبة هذه السيدة الجليلة هي والدة الروائي الأشهر إحسان عبد القدوس وزوجة الممثل الكوميدي القديم محمد عبد القدوس والد لبنى عبد العزيز في فيلم (أنا حرة)، والباشا التركي الذي كاد يحبس عبد الحليم حافظ، وطلب منه أن يترنم بأغنيات قديمة في فيلم (ليالي الحب)، فغنى له حليم (يا سيدي أمرك).

أما المسرح فقد استقبلت مصر الفنان اللبناني الموهوب جورج أبيض الذي يعد رائد المسرح العربي بامتياز، فقد وصل إلى مصر وهو في الثامنة عشرة من عمره، وأرسله الخديو عباس حلمي الثاني لتلقي فنون التمثيل في أوروبا، وعاد إلى القاهرة سنة 1910 ليؤسس فرقته المسرحية التي كانت العمود الفقري لتطور المسرح المصري الجاد بعد ذلك على يد يوسف وهبي.

للسينما أيضًا نصيب مع أشقائنا اللبنانيين، فالسيدة آسيا داغر أسهمت في تعزيز صناعة السينما الوليدة في مصر بدخولها عالم الإنتاج والتمثيل عندما جاءت إلى القاهرة عام 1923، قادمة من لبنان، وقد اصطحبت معها ابنة شقيقتها ماري كويني لتستقرا في مصر، وماري كويني منتجة وممثلة وزوجة المخرج والممثل المصري القديم أحمد جلال مؤسس استوديوهات جلال، ووالد المخرج نادر جلال. كذلك احتضنت مصر بكل مودة كلا من المطربة صباح ذات الصوت الساحر وقدمتها في عشرات الأفلام المصرية، والمطربة نجاح سلام صاحبة الصوت المتفرد التي شاركت في بطولة عدة أفلام في مطلع الخمسينيات.

المدهش أن المصريين لم يكتفوا باستقبال اللبنانيين والاحتفاء بهم، إذ إنهم تعاملوا مع لبنان باعتبارها وطنًا ثانيًا لهم، يحجون إليه للاستمتاع والتريض، فأمير الشعراء أحمد شوقي كان يقضي الصيف عادة في لبنان، وكم من مرة اصطحب معه المطرب الشاب آنذاك محمد عبد الوهاب، وقصيدته الساحرة (يا جارة الوادي) كتبها شوقي بوحي من بلاد الأرز وشدا بها عبد الوهاب في عام 1927، كذلك تكشف لنا الأفلام المصرية القديمة كيف أن كثيرًا من الأسر كانت تذهب إلى لبنان للاصطياف أو لقضاء شهر العسل، ولعلك تذكر أفلام (غرام وانتقام/ 1944)، و(لعبة الست/ 1946)، على سبيل المثال، فضلا عن الأفلام التي تتضمن اسم لبنان بوضح مثل: (قبلة في لبنان/ 1945)، و(مصري في لبنان/ 1952)، (لبناني في الجامعة/ 1947).

هكذا إذن توثقت العلاقات المصرية اللبنانية وتداخلت وتطورت من قرن إلى آخر، وطوال الوقت لم تشعر مصر بالضجر لحظة من وجود اللبنانيين في أرضها، يعملون ويكتبون ويمثلون وينتجون ويخرجون. لكن من سوء الطالع أن مصر الرسمية الحالية (اللي أد الدنيا) تنزعج من برنامج -مجرد برنامج- تقدمه إعلامية لبنانية، وبدلاً من السماح لهذا لبرنامج بالاستمرار لتتباهى مصر (اللي أد الدنيا) بأنها تدعم حرية الرأي، إذا بها توقف البرنامج، وتقرر في لحظة طيش محرومة من أي حس سياسي ترحيل (طرد) مقدمة البرنامج ليليان داود من أرض مصر في واقعة مؤسفة ستزيد من كثافة البقع السوداء على ثوب النظام! 

التحرير

0 تعليق