ثورة 30 يونيو... الأرباح والخسائر

التحرير 0 تعليق 1 ارسل لصديق نسخة للطباعة

لم يتخيل أحد من الملايين الذين شاركوا في ثورة 30 يونيو 2013 أن الأمور ستصبح بهذا السوء بعد ثلاث سنوات فقط من اندلاع هذه الثورة النادرة في تاريخ مصر والعالم كله، وأننا سندفع ثمنا باهظا من حرياتنا دون أن نحصد الثمار التي كنا نحلم بها، فلا انضبطت معايير العدالة الاجتماعية، ولا مشينا خطوات في سبيل إنجاز الديمقراطية، ولكن قبل أن أشرح كلامي علينا أن نطل سريعًا على أحوال مصر في العقود الأربعة الأخيرة لنعرف كيف وصلنا إلى هذه المحطة.

مع استقرار نظام السادات تغير وجه الحياة في مصر تمامًا، إذ زرع هذا النظام حشرة الفساد في تربة المجتمع المصري التي ازدهرت ونمت مع مبارك وحزبه االمنكوب، فتدهورت مستويات الحياة المعيشية لعشرات الملايين، في الوقت الذي تراكمت فيه الثروة في جيوب قلة لا تتجاوز الآلاف، وقد انعكس ذلك على المجالات كافة، فتأسست دولة الفساد وتراجعت الخدمات بشكل خطير، وانحدر التعليم، فضلا عن ازدياد بطش الأجهزة الأمنية مع تنامي فكرة التوريث واقترابها من الاكتمال، الأمر الذي أدى في النهاية إلى اشتعال ثورة يناير 2011.

لكن لأن الشعب لم يكن منظمًا في أحزاب سياسية حقيقية تعمل على تحقيق مصالح الغالبية العظمى منه، فقد ماطل المجلس العسكري الذي استلم السلطة فور طرد مبارك من عرين الرئاسة، وامتص غضب الملايين بذكاء وبالتدريج، حتى خطفت جماعة الإخوان السلطة السياسية بدعم من الأمريكان، وبمساعدة المجلس العسكري، ووجد المصريون أنفسهم لأول مرة في العصر الحديث يحكمهم رجل ذو لحية تابع لمرشد عام ذي لحية تابع لنائب مرشد خطير ذي لحية مخيفة!

هكذا اختزلت مصر في جماعات الإسلام السياسي التي تخاصم العصر الحديث، لكنها لا تخاصم الأمريكان وإسرائيل والنظام الرأسمالي الطفيلي الذي اعتمده السادات ومبارك. ولأن الجماعة تتسم بغباء مطلق فقد قررت الاستحواذ على كل شيء في مصر، في مشهد مفجع يفضح هزالهم الفكري وجهلهم بطبيعة المصريين، وقد تجلى هذا المشهد في الإعلان الدستوري الذي أصدره محمد مرسي في 21 ديسمبر 2012.

هنا بالضبط اكتشف معظم المصريين الخديعة الكبرى التي سقطوا في فخاخها، وأنت تعرف بقية الحكاية حتى وصلنا إلى 30 يونيو من عام 2013.

يقول التاريخ إن المصريين عندما يشعرون بالخطر على أمنهم الشخصي يركضون فورًا إلى الضابط القوي الذي يظنون أنه متعاطف معهم وأنه قادر على حمايتهم من الأخطار المحدقة بهم، وقد حدث هذا بالفعل مع أحمس الأول في زمن الفراعنة، ومع محمد علي باشا عام 1805، وكما حدث مع عبد الناصر عقب هزيمة 1967، ومع حسني مبارك فور مقتل السادات عام 1981، هكذا إذن هرع المصريون نحو المشير عبد الفتاح السيسي عندما اكتشفوا أن تيارات الإسلام السياسي تجر مصر نحو مستنقع العصور المتخلفة، وقد استجاب الرجل بالفعل لمطالب الملايين وقاد المؤسسة العسكرية وأطاحت بمرسي وجماعته بأمر من الشعب المصري.

هذا أول مكسب لثورة 30 يونيو، أما المكسب الثاني فتمثل في ارتفاع وعي المصريين واكتشافهم مكائد المتاجرين بالدين، وأنهم لا يبغون سوى الاستيلاء على السلطة السياسية ليدمروا ويخربوا الوطن الذي لا يؤمنون به أصلا. (تذكر جرائمهم الإرهابية المرعبة بعد فض الاعتصام المسلح برابعة والنهضة).

ورغم أهمية هذه المكاسب البالغة الأهمية فإن الخسائر كانت فادحة بشكل لا يصدق، فقد تمادى النظام في التضييق على الحريات السياسية والإعلامية بحجة مواجهة الإرهاب، فخسر الشباب، ولم يدرك النظام أبدًا أن من يخسر الشباب يخسر المستقبل، ثم ارتفعت معدلات البطش بالناس والتحرش بفئات مهمة من الطبقة الوسطى مثل الأطباء والمحامين وأخيرًا الصحفيين.

أما عن تدهور أحوال الناس مع ارتفاع الغلاء، فحدث ولا حرج، مما جعل الملايين يتذكرون خروجهم في 30 يونيو قبل ثلاث سنوت ويتساءلون بحسرة: أين الأحلام في العدالة والحرية التي خرجنا من أجلها في يناير ويونيو؟

التحرير

0 تعليق