مصر التى تتحول إلى سجن قد الدنيا

التحرير 0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة

ليس التضامن مع الإعلامية اللبنانية الأصل ليليان داوود موقفا يبنى على أساس اتفاقك أو خلافك لا مع شخصها، ولا مع أدائها المهنى الذى يشهد له الكثيرون حتى وإن اختلفت معهم، ولا مع المواقف السياسية التى قد تكون تبنتها خلال فترة وجودها فى مصر، بزعم أنها لا تحمل الجنسية المصرية، فقد كانت مصر دائما فى عقول وقلوب ومحل اهتمام كثير من العرب، بل وبعض هؤلاء ممن يحملون الجنسية المصرية كانت مواقفهم المخزية التى وصلت إلى درجة التفريط التى تدعو فى الحقيقة للتبرؤ منهم.. وإنما التضامن مع ليليان داوود هو موقف له علاقة باحترام القانون الذى تحول لأداة لتصفية الحسابات وتعمد إهانة كرامة الناس، سواء كانوا مصريين أو عربا أو غير ذلك، وله علاقة بقيمة قبول حق النقد والاختلاف والتنوع، وبرفض أن يتحول مجتمعنا لقبول فكرة الصوت الواحد التى يدفع البعض فى اتجاه تسييدها والقبول بها كأمر واقع، وله علاقة كذلك بقيمة ومكانة مصر فى عيون كل محبيها والمؤمنين بها وبدورها وتاريخها مهما كانت زلات وخطايا حكامها وسلطاتها.

دعك هنا من قضية إنهاء التعاقد مع الإعلامية ليليان داوود بعد عدة سنوات كان فيها برنامجها منبرًا لكثير من الأصوات المعارضة والمختلفة، فقد يبرر البعض ذلك بمنطق أنه قرار صاحب القناة الجديد، وأنه حقه أن يجرى ما يراه من تغييرات فى برامج القناة وإعلامييها وتوجهاتها، لكن ما جرى يشير بوضوح إلى أن المسألة لم تكن مجرد صفقة اقتصادية وتجارية، وإنما هى جزء من سعى واضح لتغيير الخريطة الإعلامية التى يبدو أن السلطة لم تعد قادرة حتى على تحمل قدر ولو محدودًا من التنوع والتعدد فيها، وصارت تبحث بكل السبل عن قيادة لها تتحكم فيها، إن لم يكن بالدستور والقانون فليكن برأس المال والتوجيه، وهو أمر لا يبدو قاصرًا على المجال الإعلامى بل يمتد لمجالات أخرى فى الإعلان والسينما وغيرهما، وهى كذلك مسألة لا تخص لا القناة ولا الإعلامية محل الإشارة وحدهما، فنفس القناة أعلنت عن انتهاء تعاقدها مع الإعلامى جابر القرموطى أيضا فى نفس اليوم، وهى نفس القناة التى كانت قد أوقفت برنامج الإعلامى يوسف الحسينى لما يزيد على الشهرين قبل أن تقرر عودته، ثم إن خريطة الاندماجات التى تجرى بين قنوات أخرى وبعضها البعض، وحجم ما يتردد عن قنوات جديدة يجرى الإعداد لإطلاقها وتتبع مَن وراءَ ملكيتها وتأسيسها والأسماء المرشحة لتقديم البرامج الأساسية بها، كل ذلك يكشف بوضوح عن حجم كبير من التغيرات فى الخريطة الإعلامية خلال الأشهر القليلة المقبلة. 

لكن، بعيدًا عن كل هذا، على أهميته، فإن الطريقة التى جرى بها التعامل مع ليليان داوود، من توجه قوة أمنية لمنزلها بعد ساعات قليلة من إعلان إنهاء تعاقدها، واقتيادها لمطار القاهرة دون حتى أن تتمكن من أخذ متعلقاتها الخاصة باستثناء حقيبة يد، ومنعها من الاتصال بمحامين أو أصدقاء لها، وترحيلها على أول طائرة مساء نفس اليوم لتعود إلى بيروت، وترك ابنتها الوحيدة التى تحمل الجنسية المصرية، حتى وإن كانت المبررات القانونية التى تقدم غطاء لهذا التصرف صحيحة، رغم أن هناك الكثير من التعليقات حولها فى حالة ليليان داوود التى امتنعت السلطات عن تجديد إقامتها طوال الشهور الماضية رغم أنها كانت لا تزال على قوة العمل فى القناة، ورغم أن لديها ابنة مصرية، ومن هنا فقد كانت الطريقة تعبر بوضوح عن تعمد الإهانة، واستخدام للمبرر القانونى فى تصفية الحسابات السياسية لدى بعض الأطراف فى السلطة التى ترى فى الإعلامية اللبنانية صوتا مقلقا لها أو مختلفا مع توجهاتها، وهنا تبدو القضية متجاوزة هذه الحالة التى تعد رغم فجاجتها غيضًا من فيض، لتمتد إلى المنهج ومن ورائه، فقد أهانت تلك الطريقة مَن مارسوها وفكّروا فيها ومثلت لهم فضيحة بأيديهم لا بأيدى غيرهم، وخطيئة فى حق الدولة كلها التى تسارع إلى ترحيل إعلامية بمجرد إعلان انتهاء تعاقدها مع القناة التى تعمل بها، ثم يعود البعض ليحدثك عن حرية الإعلام والإعلاميين، وعدم التدخل فى شئونه أو فى توجهاته! 

التدخل فى شئون الإعلام، وتوجيهه، وتعمد التضييق على أى أصوات مختلفة فيه، له دلالات أكثر من أن تعد وتحصى خلال العامين الأخيرين، ويكفى متابعة موقع كثير من الإعلاميين ومقدمى البرامج الذين كانوا يملؤون شاشات القنوات الخاصة قبل 30 يونيو وبعدها بأشهر قليلة وأين ذهب كل منهم، ويكفى الإشارة لعدد المرات التى تم فيها مصادرة طبعات لصحف، لمقال أو تقرير لا يلقى هوى السلطة أو أجهزتها أو أطرافٍ فيها، ويكفى الحديث عن كُتاب مُنعت مقالات لهم فى صحف قومية وخاصة بسبل مختلفة ومتعددة، ثم ومع كل ذلك وصلت الهجمة لمداها مع الأزمة الأخيرة بين نقابة الصحفيين ووزارة الداخلية.. لكن الأخطر من كل ذلك، هو أن الأمر لا يتوقف عند منع تلك الأصوات من أداء دورها المهنى، بل يمتد إلى ترحيلها من البلاد، بينما يمنع من السفر كثير من النشطاء والحقوقيين وغيرهم، وهو ما تكرر مع بعضهم صباح نفس اليوم الذى شهد ليله ترحيل ليليان داوود، وبعضهم دون أن يعرفوا أسباب المنع من السفر، وإذا ما كانوا على ذمة قضايا أو توجه لهم اتهامات قانونية، لتتحول مصر بالتدريج إلى (سجن قد الدنيا)، يلفظ خارجه كل المختلفين، ويحبس داخله من تقلق السلطة من لقاءاتهم أو تحركاتهم فى الخارج والتى قد تزيد من الضغوط من بعض الدول أو المنظمات فى ملفات الحريات وحقوق الإنسان وغيرها.. ثم الأدهى والأسوأ من هذا وذاك، هو أن تجد أصواتا مؤيدة وداعمة لتلك الإجراءات، ولهذه الطريقة فى استخدام القانون وتوظيفه!
 
مجددا فإن التضامن مع ليليان داوود ليس مجرد موقف للانتصار لقيمة مصر ومكانتها، وليس مجرد رد الجميل لإعلامية أتاحت الفرصة -بأدائها المهنى، فى وقت لم يكن فيه سواها وقلائل معها ينتصرون للمهنة- لقيم الحرية والحق فى التعبير عن الرأى، كما أنه ليس مجرد دفاع عن قيم الدستور والقانون ولأن لا يتحول لأداة فى يد السلطة توظفها كيفما تشاء، بل الأهم من كل ذلك أنه انتصار لأنفسنا ولما نعتقد أنه الموقف المبدئى الصحيح، سواء كان منا من يتفق مع ليليان داوود أو يختلف معها، سياسيا أو مهنيا حتى، وربما تعلمنا دروس الفترة السابقة أننا نؤكل يوما بعد الآخر عندما نسكت عن أكل الثور الأبيض، أيًّا كانت جنسيته وأيا كان اتفاقنا أو خلافنا معه.. فمصر التى نعرفها ونحلم بها ليست تلك التى تصادر كل رأى مختلف وليست تلك التى تزرع بذور الفاشية فى المجتمع وليست تلك التى تهتم بترحيل إعلامية ويبرر البعض ذلك بأنها لبنانية، وليست تلك التى تبقى على هشام زهير مسجونا لأنه سورى الجنسية، وهى بالتأكيد ليست تلك التى تواصل سجن شبابها -الذين يحملون جنسيتها بالمناسبة- وتحبس بعضهم انفراديا لزيادة التنكيل وتصفية حسابات السلطة وأجهزتها معهم. 
ولأننا لسنا أمام سلطة عاقلة تراجع نفسها أو لا أخطاءها ولا تعترف بها أو تعتذر عنها أبدا، فهى دائما تحتكر الوطنية والحقيقة وحدها، فإن اعتذارنا نحن لليليان داوود ولابنتها، يبدو واجبا علينا وحقا لها، وهو اعتذار يمتد لكل من يطالهم الظلم والاستبداد ولا نجد بكل أسف فى أيدينا سوى إعلان تضامننا معهم حتى لو لم يكن مغيرًا للواقع الراهن شيئا، لكنه بالتأكيد سيتغير، شاء من شاء وأبى من أبى، ولو بعد حين. 

التحرير
إخترنا لك

0 تعليق