التحرير | المربية.. قاتلة الأطفال

التحرير 0 تعليق 953 ارسل لصديق نسخة للطباعة

ليلى سليماني.. كيف يمكن تفسير رواية تدور حول قتل الأطفال؟

 

ليلى سليماني صوت جديد من المغرب العربي، تقدم نفسها بقوة إلى الأوساط الأدبية الفرنسية، في السادسة والثلاثين من عمرها، جميلة الملامح، تصلح للوقوف خلف كاميرا السينما، وقد جربت السينما بالفعل، ولكنها فضلت الانكباب على جهاز الكمبيوتر لتكتب روايتها الأولى، كاتبة مزدوجة اللغة والجنسية أيضا، تعيش عالمنا المعاصر، بعيدة نسبيا عن جذورها العربية الأولى، وتتمسك بالفرنسية لأنها طريقها للشهرة، هكذا نوقن نحن الكتاب المحاصرين الذين ولدنا أسرى للغة العربية المحاصرة، اللهم لا غيرة ولا حسد، الرواية بعنوان "الأغنية الحلوة"، ولكن مضمون الكتاب لا يتمشى مع هذا العنوان الناعم، فالرواية تدور حول دافع القتل في أبشع صوره، قتل الأطفال على وجه خاص، وقد استوحتها من حادثة حقيقية وقعت في نيويورك منذ ستة أعوام، عندما قامت إحدى المربيات بقتل طفلين كانا تحت رعايتها، بينما كانت الأم الحقيقية في دروس السباحة مع طفلها الثالث، وعندما عادت إلى البيت وجدت الطفلين غارقين في دميهما داخل الحمام، ووجدت المربية أيضا وقد حاولت الانتحار بقطع عنقها، واعترفت فيما بعد بأنها كانت محبطة، لأنه تم تكليفها بواجبات تنظيف المنزل، بالإضافة إلى رعاية الطفلين. 

كانت مهاجرة جديدة، فرغت حياتها من معناها، وقد حاولت سليماني في روايتها اختراق الشرنقة التي نسجتها المربية حول نفسها، لتتوصل إلى الدوافع التي جعلت تلك المرأة ترتكب عملا بهذه البشاعة.

ورغم أن هذا الموضوع قد استهلك في الأفلام التجارية للسينما الأمريكية، فإنه من المؤكد أن الكاتبة قد قدمت زاوية جديدة للرؤية، وظهر هذا في المتابعات النقدية للرواية وفي الحفل الذي أقيم لها مؤخرا بمناسبة فوزها بجائزة جونكور الفرنسية المرموقة، تلك الجائزة العتيدة التي فاز بها من قبلها مارسيل بروست وأندريه مارلو، فقد أعلن رئيس لجنة التحكيم أن "الجائزة فيما سبق كانت تمنح للماضي، ولكننا هذا العام اخترنا كتابا يتحدث عن الحاضر، عن الحياة اليومية والمشكلات المعاصرة، مشكلات الهجرة والإرهاب وما يدور خلف جدران البيوت المغلقة.. الكثيرون منا سوف يجدون أنفسهم داخل الكتاب". 

الجونكور كانت عادة تذهب إلى الرجال البيض متوسطي العمر، وقد كسرت سليماني هذه القاعدة لأنها الكاتبة الثانية التي تأتي من المغرب العربي، والمرأة الثانية عشرة التي تحصل على الجائزة وكانت حاملة في شهرها الرابع.

الأغنية الحلوة هي روايتها الثانية، وقد باعت من طبعتها الأولى ستمئة ألف نسخة، مما جعلها الكاتبة الأولى في فرنسا، وهي تعيش الآن في باريس، وخصصت مجلة "إل" غلافها لها بشعرها المنكوش وطلاء شفتيها اللامع، ترجم الكتاب إلى 18 لغة حتى الآن، وفي الطبعة الأمريكية أخذت الرواية عنوان "المربية الكاملة"، التي كانت حياتها مثالية قبل أن تأخذ طابعها المأساوي، والرواية يغلب عليها طابع الإثارة السيكولوجية، وتثير العديد من الأسئلة حول تلك العلاقة الثلاثية عندما يكون في البيت اثنان من الإناث وذكر واحد، هل كانت المربية تشعر بالانجذاب نحو الزوج؟ هل كانت مهوسة بالزوجة؟ هل كانت تنوي اختطاف واحد من الطفلين؟

المهم أن الرواية لم تستند إلى الحادثة الأمريكية فقط، ولكن لخبرة الكاتبة وتعاملها مع عالم المربيات، كان ابن ليلى في الشهر السادس من عمره عندما قرأت عن الحادثة، وكانت تحاول استئجار مربية جديدة حتى تستطيع العودة للعمل، وقد نجحت في الاتفاق مع سيدة تبلغ من العمر خمسين عاما من أصول مغربية، وكان أحد الأصدقاء قد نصحها بأن يكون له أطفال في بلدها الأصلي، وبالفعل وقع اختيارها على مريم وهي مهاجرة من شمال إفريقيا، ولحسن حظها بقيت مشكلاتها مع المربية داخل الكتاب فقط.

كانت ليلى في العاشرة عندما زارت باريس للمرة الأولى برفقة أمها وأختها، كن قادمات من الرباط لزيارة عمتها، شعرت بالفزع من المترو، ودهشت من العشاق الذين يتبادلون القبلات في الشوارع، وانفجرت بالبكاء وهي تسمع القداس في كنيسة نوتردام، رغم أنها لم تفهم ما يقال أمامها، وقدر لها أن تستقر في باريس وهي في السابعة عشرة بعد أن تخرجت فى المدرسة الفرنسية لتلتحق بالجامعة، وعانت كثيرا من تعصب بعض المدرسين، واستغرق الأمر منها أعواما كي تكون بعض الصداقات، وتحولت من دراسة العلوم إلى الأدب بعد أن بهرها الكتاب الروس، خاصة تشيكوف ومن بعده اكتشفت كونديرا، وقابلت زوجها أنطوان عندما كانت في أحد البارات مع بعض صديقاتها، كان يعمل محاسبا في أحد البنوك، وحين تقدم منها في البار يطلب رقم هاتفها قالت له: لن أعطيها لك، ولكني سوف أقابلك بعد ثلاثة أيام من الآن أمام كنيسة سان جرمان، وبعد أن انصرف قال لها الساقي سوف يلعنك أولادك في المستقبل إذا لم تذهبي لهذا الميعاد، وقد ذهبت بالفعل، واستثمرت تلك النزوة العابرة لتعكس مسار حياتهما معًا، ولفترة من الزمن اعتقدت سلماني أن الطريق الأسهل أن تصنع شيئا في السينما، وتم اختيارها بالفعل لتلعب دورين في فيلمين، الأول كانت فيه موديلا في إحدى دور الأزياء والثاني كانت صديقة للاعب كرة قدم، ولكنها لم ترض عن نفسها كممثلة، التحقت بإحدى الكليات التي تدرس الكتابة الصحفية وعملت في مجلة شباب إفريقيا وقضت وقتا طويلا في عملها الصحفي في شمال إفريقيا قبل أن يتم القبض عليها في جنوب تونس عندما كانت تغطى أحداث الربيع العربي وعندما أفرج عنها قررت أن تطلق العمل الصحفي وتتفرغ لكتابة الرواية، تتذكر ذلك وهي تقول: "كنت أعرف أنهم يضحكون عليَّ من خلف ظهري، ويقولون إن زوجي يكسب جيدا وإن هذه حجة مهذبة لأعيش على حسابه"، وقد أخذت عاما ونصف العام في كتابة رواية "داخل حديقة الغول" تدور أحداثها بعد انتهاء العرب، في بلد يشبه المغرب، ولكنه ليس هو، حدثت فيه ثورة تشبه ما حدث في تونس، بصراحة كان الأمر مملا"، عدد من الناشرين الذين تركت لديهم مخطوط الرواية رفضوها، ولكن دار جاليمار قبلت نشرها بعد عناء، ولقيت مراجعات طيبة في الصحافة الأدبية. ولكنها لم تنشر معها ترجمة ذاتية لها وقالت: "أنا من شمال إفريقيا، لا أريد أن أعرف بنفسي كشيء مميز، يكفي أنني سأكون دائما على شبكة الإنترنت".

عن حياتها كتبت تقول: "نشأت في المغرب، ولدت كمسلمة، ولكن في كل عام كنت أحتفل بأعياد الكريسماس في بيت أبيض ضخم يقع في منتصف الطريق بين مكناس وفاس"، كانت تنزل في ضيافة جدها لأمها الخضير وجدتها آن دوب، في عام 1944 عبر جدها "الخضير" البحر المتوسط كجندي في جيش المستعمرات الفرنسية، وهبط الفيلق في منطقة الألزاس، وهناك قابل "آن"، لم يكن يشرب الخمر ولا يأكل لحم الخنزير ولكنهما تآلفا معًا، ووافق أهلها على الزواج وأن ترحل مع زوجها إلى المغرب، وكان جدها يلبس ثياب "سانتا كلوز" ليبهجها، كانت آن هي الكاتبة الأولى في العائلة، ولها كتاب عن حياتها في المغرب طبع في عام 2003 وقد ورثت ليلى بذور الكتابة من جدتها الفرنسية.

والد ليلى عثمان سليماني تعلم هو أيضا في المدارس الفرنسية وتخصص في الاقتصاد، ولكنه كان واحدا من الذين جاهدوا من أجل استقلال المغرب وأصبح وزيرا للاقتصاد في السبعينيات، وولدت ليلى عام 1981 في الرباط، وهي تستعد الآن لكتابة روايتها الثالثة.

التحرير

0 تعليق